عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
460
اللباب في علوم الكتاب
فصل في تفسير الإحسان والمراد ب « الإحسان » قيل : ما أردنا بالتّحاكم إلى غير الرّسول إلّا الإحسان إلى خصومنا ، واستدامة الاتّفاق والائتلاف بيننا . وقيل : ما أردنا بالتّحاكم إلى عمر ، إلا أنّه يحسن إلى صاحبنا بالحكم والعدل ، والتّوفيق بينه وبين خصمه ، وما خطر ببالنا أنّه يحكم له بما حكم . وقيل : ما أردنا بالتّحاكم إلى غيرك ، إلا أنّك لا تحكم إلّا بالحقّ ، وغيرك يوفّق بين الخصمين ، ويأمر كلّ واحد بما ذكرنا « 1 » ويقرب مراده من مراد صاحبه حتى تحصل الموافقة بينهما . وقال الكلبي « 2 » : « إِلَّا إِحْساناً » في القول « وتوفيقا » صوابا . وقال ابن كيسان « 3 » : حقّا وعدلا ؛ نظيره : وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنا إِلَّا الْحُسْنى [ التوبة : 107 ] وقيل : هو تقريب الأمر من الحقّ ، لا القضاء على أمر الحكم . ثم قال : « أُولئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ما فِي قُلُوبِهِمْ » أي : من النّفاق والغيظ والعداوة . ثم قال : « فأعرض عنهم » وهذا يفيد أمرين : الأوّل : أن لا يقبل منهم العذر ويصبر على سخطه ، فإن من لا يقبل العذر فقد يوصف بأنه معرض عنه ، غير ملتفت إليه . الثاني : أن هذا يجري مجرى قوله : اكتف بالإعراض ولا تهتك سترهم ، ولا تظهر لهم علمك بما في بواطنهم ، فإنّ من هتك ستر عدوّه وأظهر علمه بما في قلبه ، فربما يجرّئه على ألّا يبالي بإظهار العداوة ، فيزداد الشّرّ ، وإذا تركه على حاله ، بقي في خوف ووجل فيقلّ الشّرّ . ثم قال : « وعظهم » أي : ازجرهم عن النّفاق والمكر والمكيدة والحسد والكذب ، وخوّفهم بعقاب اللّه - تعالى - في الآخرة ، كما قال - تعالى - : ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ [ النحل : 125 ] . ثم قال - تعالى - : « وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغاً » . قوله تعالى : « فِي أَنْفُسِهِمْ » فيه أوجه : الأول : أن يتعلّق ب « قل » ، وفيه معنيان : الأوّل : قل لهم خاليا لا يكون معهم أحد ؛ لأن ذلك أدعى إلى قبول النصيحة . الثاني : قل لهم في معنى أنفسهم المنطوية على النفاق قولا يبلغ بهم ما يزجرهم عن العود إلى النفاق .
--> ( 1 ) في ب : منهما بالإحسان إلى الآخر بما ذكرنا . ( 2 ) ينظر : تفسير البغوي 1 / 447 . ( 3 ) ينظر : السابق .